تحكي هذه القصة رحلة شاب اعتقد أن رسوبه في الجامعة هو نهاية أحلامه، قبل أن يكتشف أن الفشل كان البوابة الأولى لنجاح غير متوقّع في عالم العمل الحر وريادة الأعمال الرقمية. قصة واقعية مليئة بالمشاعر، الضغط العائلي، لحظات الانهيار، ثم لحظة التحول التي جعلته يصنع طريقه الخاص خطوة بخطوة حتى أصبح مصدر فخر لأسرته ونموذجًا لكل من ظن أن العلامات الدراسية هي نهاية المطاف.
لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا كثيرًا عن غيره، سوى أن قلبي كان يخفق بسرعة غير معتادة وأنا أفتح بوابة الجامعة بيدين متعرّقتين، منتظرًا على شاشة هاتفي رسالة قصيرة تحسم مصيري الدراسي. كنت قد علّقت كل آمالي على تلك الدقائق القليلة، ظانًا أن النتيجة التي ستصلني ستحدد قيمتي في هذه الحياة، وأن مستقبلي كله يتجسد في كلمة: ناجح أو راسب.
بينما كنت أجلس على أحد المقاعد الإسمنتية في ساحة الجامعة، يمر الطلاب من حولي بضحكات خفيفة وحديث متقطع، شعرت أن أصواتهم بعيدة جدًا عني، وكأنني في جزيرة معزولة لا يصلها إلا صوت قلبي. رن الهاتف أخيرًا، وظهرت رسالة النظام: "عذرًا، لم تتمكن من اجتياز هذا الفصل الدراسي، أنت بحاجة إلى إعادة عدد من المقررات." توقفت عيني عند كلمة "لم تتمكن"، شعرت أنها ليست مجرد إخفاق أكاديمي، بل إدانة كاملة لطموحي وشخصيتي.
في تلك اللحظة بالتحديد، تجمد الزمن داخلي. تخيلت وجه أبي الذي لطالما قال بفخر أمام أقاربه: "ابني سيكون مهندسًا ناجحًا"، ورأيت دموع أمي التي لا تظهر عادة إلا في الصلاة أو في لحظات المرض الشديد. لم أكن أرى النتيجة مجرد سقوط في بعض المواد، بل سقوطًا من أعين من أحبّ. حملت حقيبتي بتثاقل، وخرجت من الجامعة كأنني أخرج من حلم طويل جميل انتهى فجأة بكابوس مزعج.
في طريق العودة إلى البيت، أخذتني الحافلة في شوارع المدينة التي حفظت تفاصيلها منذ طفولتي، لكنني لم أرَ شيئًا. كانت نظراتي ثابتة على النافذة، وعقلي مشغول بسؤال واحد مزعج: "ماذا سأقول لهم؟" كان الفشل بالنسبة لي كلمة لم أتربّ على تقبلها. تربيت على أن المتفوّق محبوب، والناجح محترم، ومن يتعثّر يختبئ في الظل. لم يعلّمني أحد أن السقوط جزء من الطريق.
وصلت إلى المنزل بخطوات مترددة. فتحت لي أمي الباب بعينيها اللامعتين شوقًا، وكأنها تعلم أن اليوم سيكون مختلفًا. لم أنتظر أن تسألني، دست على قلبي وقلت بسرعة: "رسبت." ساد صمت ثقيل للحظات، ثم قالت بصوت مخنوق: "خيرًا إن شاء الله." لكنني كنت أرى في عينيها خليطًا من الحزن والقلق والخوف من المستقبل. دخل أبي بعد ساعات، وعندما علم بالأمر صمت طويلًا، ثم قال جملة واحدة فقط: "خيّبت أملي."
كانت تلك الكلمات هي الطعنة الحقيقية، لا الرسوب نفسه. شعرت أن كل ما فعلته طوال السنوات الماضية ذهب أدراج الرياح. انسحبت إلى غرفتي، أغلقت الباب بإحكام، وتركت هاتفي جانبًا، وانقطع تواصلي مع العالم. لم أرد على رسائل أصدقائي، ولم أفتح حساباتي في مواقع التواصل. بدأت رحلة صامتة مع نفسي، عنوانها: جلد الذات.
مرّت أيام وليالٍ طويلة وأنا غارق في شعور بالعجز. لم أعد أرى معنى لأي شيء. النوم هروب، والطعام بلا طعم، والوقت يمر بصمت ثقيل. في إحدى الليالي، بينما كنت أتصفح هاتفي بلا هدف، ظهر أمامي مقطع فيديو قصير لشاب يحكي عن فشله في الجامعة وكيف أصبح لاحقًا رائد أعمال ناجحًا في العمل الحر. لم أكن مهتمًا في البداية، لكن شيئًا في عينيه حين كان يتحدث عن "الفرصة" شدّني.
شاهدت الفيديو حتى النهاية، ثم انتقلت إلى فيديو ثانٍ وثالث، حتى وجدت نفسي في عالم جديد لم أكن أعرِفه جيدًا: عالم العمل الحر والوظائف الرقمية. شباب في مثل عمري، وبعضهم أصغر، يعملون من منازلهم، يقدّمون خدمات في التصميم، والبرمجة، وكتابة المحتوى، وإدارة وسائل التواصل. كان كل واحد منهم يحمل قصة تعثّر ما، وفصلًا مظلمًا في حياته سبق لحظة التغيير.
في تلك الليلة تغير شيء صغير داخلي. لم أكن مستعدًا لأعترف بذلك لأحد، لكنني لأول مرة سمحت لفكرة جديدة أن تدخل رأسي: ربما لا تكون الجامعة هي الطريق الوحيد للنجاح. ربما أستطيع أن أكون شخصًا ذا قيمة، حتى إن تعثرت دراسيًا. كانت تلك مجرد شرارة، لكنها كانت كافية لتدفعني في صباح اليوم التالي إلى فتح الحاسوب والبحث بجدية أكبر عن "العمل الحر" و"كيف أبدأ من الصفر".
اكتشفت أن لدي شيئًا يمكن أن أبدأ منه: حبي للكتابة. منذ أيام المدرسة، كنت أكتب خواطر ومقالات صغيرة في دفاتر لا يراها أحد، وأحيانًا أنشر شيئًا على حساباتي الشخصية فينال إعجاب بعض الأصدقاء. لم أكن أظن أن هذا الشغف يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل أو بداية طريق جديد. لكنني قرأت عن كثيرين بدأوا كمستقلين في كتابة المقالات والتدوين والترجمة وصناعة المحتوى.
قررت أن أجرّب. سجّلت في منصات العمل الحر العربية والأجنبية، وبدأت بقراءة تفاصيل المشاريع والعروض، لكن الصدمة كانت في حجم المنافسة. كل صاحب مشروع يريد "كاتبًا محترفًا ذو خبرة سنوات"، وتقييمات عالية، ونماذج أعمال سابقة. أما أنا، فأملك فقط دفترًا قديمًا وبعض المنشورات المتناثرة في فيسبوك وإنستغرام. شعرت للحظة أن الباب يغلق في وجهي من جديد.
لكن هذه المرة، كنت قد تعبت من دور الضحية. قلت لنفسي: "فشلت في الجامعة لأنني استسلمت للظروف، لن أكرر الأمر نفسه هنا." بدأت بقراءة مقالات ودورات مجانية عن كتابة المحتوى، السيو، التسويق بالمحتوى، وكيفية جذب القارئ من السطر الأول. خصصت من وقتي يوميًا ساعتين على الأقل للتعلم، بعيدًا عن عيون أهلي الذين كانوا يظنون أنني فقط أضيع وقتي على الإنترنت.
بعد أسبوعين من التعلم والقراءة، كتبت أول مقال تجريبي عن موضوع يعرفه كثيرون: "كيف تتعامل مع الفشل الدراسي." كتبت المقال من قلبي، مزجت فيه تجربتي الشخصية مع بعض النصائح العملية التي تعلمتها، وحاولت أن أجعل لغتي بسيطة، قريبة من القارئ، وفيها لمسة أمل حقيقية وليست شعارات فارغة. بعدها، أنشأت مدونة مجانية ونشرت المقال عليها، ثم شاركته في مجموعات مهتمة بالتطوير الذاتي.
كانت المفاجأة أن المقال حظي بتفاعل لا بأس به. تعليقات، مشاركات، ورسائل خاصة من أشخاص يحكون تجاربهم ويشكرونني على الكلمات التي "لامست قلوبهم"، كما قال بعضهم. تلك اللحظة الصغيرة من التقدير أعادت إلي شيئًا من ثقتي بنفسي. أدركت أن لدي قدرة على التأثير في الناس بالكلمة، وأن هذا التأثير هو قيمة حقيقية لا تقل أهمية عن شهادة جامعية.
مع مرور الوقت، بدأت أعرض خدماتي ككاتب محتوى مبتدئ مقابل أسعار بسيطة جدًا. لم يكن هدفي الربح المادي في البداية بقدر ما كان هدفي أن أضع أول خطوة عملية وأن أحصل على تقييمات حقيقية. قبل أحد العملاء أن يمنحني فرصة، طلب مني كتابة ثلاث مقالات تجريبية، فبذلت فيها كل جهدي، قرأت، بحثت، أعدت الصياغة مرات ومرات، حتى خرجت بأفضل ما أستطيع. بعد أيام، جاءتني رسالته: "أعجبني أسلوبك. أريد أن نستمر."
كان ذلك أول عقد حقيقي لي في عالم العمل الحر. لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه منحني إحساسًا لا يوصف: لقد أصبحت قادرًا على خلق قيمة من شيء أحبّه، دون أن أُسأل عن معدلي الدراسي أو سنوات خبرتي السابقة. بدأت عجلة صغيرة تدور. مقال بعد مقال، عميل بعد عميل، وتقييم إيجابي بعد آخر. كنت أعود في المساء إلى غرفتي نفسها التي بكيت فيها يوم رسوبي، ولكنّها الآن تشهد على ولادة جديدة.
مع تحسن دخلي النسبي، فكرت في تحويل تجربتي إلى شيء أكبر من مجرد حساب على منصة عمل حر. خطرت لي فكرة إطلاق موقع شخصي أشارك فيه قصصي وتجارب حياتي اليومية، وأكتب عن الفشل، النجاح، والبحث عن الذات، تمامًا كما فعل أولئك الذين ألهموني في البداية. اشتريت نطاقًا بسيطًا، وتعلمت أساسيات إدارة المواقع والتدوين، وبدأت أنشر بانتظام.
لم يكن الطريق سهلًا. واجهت فترات انقطاع في الطلبات، وعملاء صعبي المراس، وتعبًا ذهنيًا من الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشة. وفي بعض الأوقات، كان صوت الشك يعود ليهمس: "لو كنت نجحت في الجامعة منذ البداية، ربما كانت حياتك أسهل الآن." لكن كلما قرأت رسالة شكر من قارئ تأثر بمقال، أو رأيت مقالًا من مقالاتي يحتل مرتبة متقدمة في نتائج البحث، كنت أدرك أن طريقي، وإن كان مختلفًا، ليس أقل قيمة.
أما علاقتي مع أهلي، فقد مرت بمراحل متقلبة. في البداية، لم يفهم أبي ماذا يعني أن أعمل "أونلاين"، وكان يكرر: "هذه ليست وظيفة حقيقية." كان يعتقد أن النجاح يعني وظيفة حكومية أو شهادة متقدمة فقط. لكن حين بدأ يرى أنني أساهم في مصاريف المنزل، وأساعد في شراء بعض احتياجات الأسرة، ويتصل بي عملاء من دول مختلفة يشكرونني على عملي، بدأ شيئًا فشيئًا يغيّر نظرته.
لن أنسى اليوم الذي جلس فيه أبي في غرفة الجلوس، يحمل هاتفه ليري أحد أقاربي مقالة من مقالاتي ظهرت في موقع معروف، قائلاً بفخر خفي: "هذا ابني كاتب محتوى، يشتغل مع شركات من برّا." تلك الكلمات كانت بالنسبة لي اعتذارًا غير معلن عن جملة "خيّبت أملي". شعرت حينها أن دائرة الفشل التي بدأت برسالتي الجامعية قد اكتملت بحلقة جديدة: النجاح بطريقة مختلفة، ربما لم يتوقعها أحد.
مرت سنوات قليلة، أصبحت خلالها أمتلك خبرة جيدة في كتابة المحتوى وإدارته، وتعلمت كيف أتعامل مع الكلمات المفتاحية، استراتيجيات تحسين محركات البحث، وكيف أجعل المقال مفيدًا وفي الوقت نفسه متوافقًا مع معايير المنصات الإعلانية. صرت أدرّب شبابًا آخرين على الدخول إلى عالم العمل الحر، وأحكي لهم دائمًا قصتي من البداية، لا أخجل من كلمة "رسوب"، بل أذكرها كعلامة فارقة في حياتي.
اليوم، عندما أعود بذاكرتي إلى ذلك الصباح في ساحة الجامعة، لا أرى الرسالة التي وصلتني على الهاتف كإعلان نهاية، بل أراها كبداية عنيفة لطريق جديد. الفشل لم يعد في نظري لعنة أبدية، بل رسالة قاسية تدفعنا لإعادة النظر في أنفسنا، في طريقتنا، وفي تعريفنا للنجاح. فهمت أن النجاح ليس مجرد شهادة معلّقة على الجدار، بل قدرة على تحويل السقوط إلى انطلاقة، والضعف إلى قوة، والتشتت إلى رؤية واضحة.
العبرة التي خرجت بها، والتي أحب أن أقدمها لكل من يمر بتجربة مشابهة، هي أن الفشل الدراسي أو المهني ليس حكمًا نهائيًا على قيمتك، بل فرصة لتكتشف جانبًا آخر من نفسك ربما لم تكن تراه. النجاح الحقيقي يبدأ حين تجرؤ على الاعتراف بسقوطك، ثم تقرر أن تتحرك رغم الألم، أن تتعلم، أن تبدأ من جديد ولو بخطوة صغيرة. في تلك اللحظة، يتحول الفشل من نقطة نهاية إلى فاصلة في جملة طويلة اسمها "حياتي"، وما بعد الفاصلة يمكن أن يكون أجمل بكثير مما توقعت.